شهدت مدينة غرناطة الأندلسية حركة علمية حضارية واسعة أفرزت عددا من العلماء الذين أفادوا الإسلام والمسلمين بل البشرية كلها.
وكان من بين هؤلاء العلماء الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي المعروف بابن بطوطة، والذي وُلِدَ في طنجة بساحل المغرب، عام (703هـ= 1304م)، وينتمي إلى قبيلة لواتة، وهي قبيلة بربرية/ أمازيغية كبيرة، كانت بطونها تنتشر على طول الساحل الإفريقي الشمالي.
يُعدُّ ابن بطوطة أشهر رحالة مسلم، بل سيد رحالة القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي دون منازع؛ حيث إنه قضى 28 عامًا مرتحلاً في دول العالم المعروف في أيامه، وقد بدأ رحلته من موطنه في طنجة مجتازًا ساحل شمال إفريقيا، حتى وصل إلى مصر، ومنها إلى جزيرة العرب، ثم الشام، ثم بلاد فارس (إيران الآن)، ثم البحرين، وعُمان، ثم شرق إفريقيا.
بعدها تجوَّل في آسيا الصغرى (تركيا الآن)، وشبه جزيرة القرم (أوكرانيا الآن)، وحوض نهر الفولجا الجنوبي (جنوب روسيا الآن)، ودخل القسطنطينية ثم توجَّه شرقًا إلى خوارزم وبخارى وكردستان وأفغانستان والهند؛ حيث مكث ثماني سنوات، ثم زار جزر المالديف، وبعض جزر الهند الشرقية (أندونيسيا وماليزيا الآن)، والصين، وكان قد بدأ تلك الرحلة سنة (1325م) ليعود إلى طنجة سنة (1347م)، واتصل ابن بطوطة خلال رحلاته تلك بالكثير من الملوك والأمراء واستعان بِهِبَاتِهم على أسفاره.
بعد ذلك قام برحلتين قصيرتين؛ الأولى في ربوع الأندلس سنة (1350م)، والثانية في السودان ووسط إفريقيا سنة (1352م)؛ ليعود ويستقرّ في فاس سنة 1354م؛ ليملي فيها وصف رحلته التي سماها: «تحفة النظار وغرائب الأمصار وعجائب الأسفار» أو «رحلة ابن بطوطة»، وقد قُدِّرت المسافة التي قطعها ابن بطوطة في رحلته بنحو 120 ألف كيلو متر.
وتستمد رحلات ابن بطوطة قيمتها من تميُّز صاحبها عن سواه من الرحالة السابقين في التفوق في الدرس؛ إذ لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا ألَمَّ بها وتكلم عنها بتفصيل، وإذا كان ابن بطوطة سابع سبعة من أعلام الرحالة المسلمين (المقدسي والإدريسي وابن جبير والسمعاني وياقوت والبيروني)، إلا أنه أكثرهم تميّزًا، وأشدهم عناية بالحديث عن الحالة الاجتماعية للمجتمع أو البلد الذي يراه.
وقد مات ابن بطوطة في مراكش سنة (779هـ= 1377م)، وتُلَقِّبه جامعة كامبريدج في كتبها وأطالسها بأمير الرحالة المسلمين.
🏳
️ من أعجب ما رأى ابن بطوطة في بلاد المسلمين ..
عرف ابن بطوطة برحلاته في بلاد العالم القديم وهنا سيكون حديثنا عن أعجب ما رأى في بلاد المسلمين
يعد ابن بطوطة أشهر رحالة مسلم، بل سيد رحالة القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي دون منازع؛ حيث إنه قضى 28 عامًا مرتحلاً في دول العالم المعروف في أيامه.
وتستمد رحلات ابن بطوطة قيمتها من تميز صاحبها عن سواه من الرحالة السابقين؛ إذ لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا ألَمَّ بها وتكلم عنها بتفصيل، وكان أكثر الرحالة تميّزًا، وأشدهم عناية بالحديث عن الحالة الاجتماعية للمجتمع أو البلد الذي يراه.
ومن أعجب الأشياء التي رأها ابن بطوطة في رحلاته في بلاد المسلمين كانت أوقاف مدينة دمشق..
والوقف لمن لا يعرف هو حبس العين (دار أو بستان أو مال) عن تمليكها لأحد من العباد والتصدق بالمنفعة على مصرف مباح.
وللوقف فوائد كثيرة منها: وصول الثواب إلى المرء بعد موته باستمرار وجود الوقف، وانتفاع المسلمين بهذا الوقف، وذلك حسب الجهة الموقوف عليها، فقد يكون وقفا للمجاهدين، وقد يكون وقفا للعلماء والطلاب، وقد يكون وقفا على الفقراء والمساكين.
وقد انبهر ابن بطوطة من أوقاف دمشق حيث قال عنها: والأوقاف بدمشق لا تحصر أنواعها ومصارفها؛ لكثرتها، فمنها أوقاف على العاجزين عن الحج، يُعطى لمن يحج عن الرجل منهم كفايته، ومنها أوقاف على تجهيز البنات إلى أزواجهن، وهن اللواتي لا قدرة لأهلهن على تجهيزهن، ومنها أوقاف لفكاك الأسارى، ومنها أوقاف لأبناء السبيل، يعطون منها ما يأكلون ويلبسون، ومنها أوقاف على تعديل الطرق ورصفها؛ لأن أزقة دمشق لكل واحد منها رصيفان في جنبيه يمر عليهما المارة، ويمر راكبو الدواب بين ذلك.
ومن أعجب ما ذكره ابن بطوطة كانت أوقاف الأواني، إذ قال عن تجربة شخصية له: “مررت يومًا ببعض أزقة دمشق فرأيت به مملوكًا صغيرًا قد سقط من يده صحن من الفخار، فتكسر واجتمع عليه الناس فقال له رجل من بينهم: اجمع ما تكسر منه، واذهب معي لصاحب أوقاف الأواني .. فجمعه، وذهب الرجل معه إليه، فأراه إياها، فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن.
ويكمل ابن بطوطة حديثه قائلا: وهذا من أحسن الأعمال؛ فإن سيد الغلام لا بُدَّ له أن يضربه على كسر الصحن، وهو -أيضًا- ينكسر قلبه، ويتغير لأجل ذلك فكان هذا الوقف جبرًا للقلوب!!
🏳